ابن عجيبة
235
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
فمن شاهد حبيبه كاد أن يبدي به ، ويبوح بسره ؛ فرحا واغتباطا به ، لولا أن اللّه يربط على قلبه ، ليكون من الثابتين الراسخين في العلم به ، وإن أبدى سر الحبيب سلط عليه سيف الشريعة ، وبالله التوفيق . ثم ذكر رجوع موسى إلى أمه ، فقال : [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 12 إلى 13 ] وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ ( 12 ) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 13 ) قلت : المراضع : جمع مرضع ، وهي المرأة التي ترضع ، أو : مرضع - بالفتح - : موضع الرضاع ، وهو الثدي . و ( لا تحزن ) : معطوف على ( تقر ) . يقول الحق جل جلاله : وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ أي : تحريم منع ، لا تحريم شرع ، أي : منعناه أن يرضع ثديا غير ثدي أمه . وكان لا يقبل ثدي مرضع حتى أهمهم ذلك . مِنْ قَبْلُ أي : من قبل قصصها أثره ، أو : من قبل أن نرده إلى أمه . فَقالَتْ أخته . وقد دخلت داره بين المراضع ، ورأته لا يقبل ثديا : هَلْ أَدُلُّكُمْ ؛ أرشدكم عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ ؛ يحفظون موسى لَكُمْ ، وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ ؛ لا يقصرون في إرضاعه وتربيته . والنصح : إخلاص العمل من شائبة الفساد . روى أنها لما قالت : وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ ؛ قال هامان : إنها لتعرفه وتعرف أهله ، فخذوها حتى تخبر بقصة هذا الغلام ، فهو الذي نحذر ، فقالت : إنما أردت : وهم للملك ناصحون . فانطلقت إلى أمها بأمرهم ، فجاءت بها ، والصبى على يد فرعون يعلله ؛ شفقة عليه ، وهو يبكى يطلب الرضاع ، فحين وجد ريحها استأنس والتقم ثديها ، فقال لها فرعون : ومن أنت منه ، فقد أبى كل ثدي إلا ثديك ؟ فقالت : إني امرأة طيبة الريح ، لا أوتى بصبي إلا قبلنى . فدفعه إليها ، وأجرى عليها مؤنة الرضاع . قيل : دينارا في اليوم ، وذهبت به إلى بيتها ، وأنجز اللّه لها وعده في الرد ، فعندها ثبت واستقر في علمها أنه سيكون نبيا . وذلك قوله تعالى : فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بولدها ، وَلا تَحْزَنَ لفراقه ، وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ، أي : وليثبت علمها ؛ مشاهدة ، كما ثبت ؛ علما .